vendredi 11 février 2011

العلمانية التي نريد


العلمانية التي نريد

العلمانية , كلمة ممقوتة في العالم العربي و الإسلامي , تقع في أذن المستمع فتحيل في الحال الى الإلحاد و الزندقة , و من حاول الخوض فيها يفتح على نفسه بابا للتكفير و الرمي بأقذع الإتهامات , حتى صارت " العلمانية " كلمة رجيمة و ملعونة تستفز على الأخص رجال الدين .

أولا يجب البحث عن أصل الكلمة , يمكن استبدالها بالترجمة الحرفية عن الفرنسية , laïcité = اللائكية , أما عن الكلمة العربية " علمانية " فقد قال البعض أنها مشتقة من العلم , و قال بعض آخر أنها مشتقة من العالم .

يرفض المفكر المغربي محمد عابد الجابري استعمال هذا المصطلح لعدم ملاءمته للواقع العربي الإسلامي , و يبرر رأيه بأن العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة و لا يوجد كنيسة في الإسلام , ويرى استبدال المصطلح بفكرة الديموقراطية أي حفظ حقوق الأفراد والجماعات، العقلانية و الممارسة السياسية الرشيد.

يعتقد الكثير , أن العلمانية التي ننادي بها ستؤدي الى قمع الإسلام و طمس معالم الهوية العربية الإسلامية , في حين أن الديمقراطية لا يمكنها أن تتوفر في مجتمع معيّن بدون فصل للمؤسسة الدينية _ المتمثلة في شيوخ البلاط في أغلب الأحيان أو في حكومة ثيوقراطية خفية تقف وراء الحاكم _ . فلا يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي لا تتوفر فيه حرية المعتقد ومساواة جميع الأفراد أمام القانون مهما كانت معتقداتهم ومذاهبهم. كما لا يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي لا يسوس الناس فيه أمورهم بأنفسهم.

طالما عاش الدين في قلوب البشر كان أمناُ وسلاماَ ودفئاَ وطاقة دافعة للخير والمحبة والعطاء ولكن في اللحظة التي يساق فيها الدين خارج موطنه الأصلي وهو القلوب ويجبر على أداء وظائف نسبية لا تتناسب وطبيعته المطلقة يتحول إلى طاقة مدمرة لكل تلك المعاني السامية , و نضرب مثل السعودية و الإيران في عالمنا المعاصر .

و مما يزيد الإطمئنان على المنظومة القيمية المتمثلة في شرائع السماء , أن معظم العلمانيين العرب لا ينادون، في أغلب الأحيان، إلا بالعلمانية الجزئية وحسب، إذ لا يجرؤ أحد، إلا قلة نادرة، على المناداة بالعلمانية الشاملة (الطبيعية ـ العدمية ـ المتجاوزة للأخلاق)، بماديتها الصارمة وعدائها الشرس للإنسان .

و خلاصة القول , أن العلمانية التي ننادي بها , شرط ضروري لتحقق الديمقراطية , حيث تكفل حرية المعتقد و تحمي حقوق الأقليات , كما أنها تقر بفصل المؤسسة الدينية _ المتمثلة غالبا في سلك الكهنوت _ عن الدولة و ليس عن الحياة العامة و مؤسسات المجتمع المدني .

و نختم كلمتنا بنظرة المفكر حسن حنفي للإسلام , حيث يراه دينا علمانيا _ اعتراف بعلمانية الإسلام _للأسباب التالية :

* النموذج الإسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت، أي بعبارة أخرى المؤسسات الدينية الوسيطة.

*الأحكام الشرعية تعبّر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية.

* الفكر الإنساني العلماني الذي حول بؤرة الوجود من الإله إلى الإنسان وجد متخفٍ في تراثنا القديم عقلاً خالصًا في علوم الحكمة، وتجربة ذوقية في علوم التصوف، وكسلوك عملي في علم أصول الفقه.

و على خطى المسيح _ عليه السلام _ نقول : دَعْ ما لِقَيْصَرْ لِقَيْصَرْ و ما لِلّه لِلّه .